Research Article | Volume 4 Issue 02 (2026) | Published in 2026-02-09
The Transformation of the Legal Basis of Administrative Liability for Public Employees’ Errors in Administrative Contracts: A Comparative Study in Light of the Evolution of Administrative Judiciary and Public Governance
-
ABSTRACT
This article examines the transformation of the legal basis of administrative liability for public employees’ errors within the framework of administrative contracts, in light of the evolving role of administrative judiciary and the growing influence of public governance principles. The study addresses a central question concerning the adequacy of the traditional fault-based approach whether personal or functional in responding to the increasing complexity of administrative contractual activity, and whether this approach has shifted toward objective forms of liability grounded in risk allocation and damage compensation.
Adopting a descriptive-analytical methodology combined with a functional comparative approach, the research analyzes recent doctrinal developments and judicial trends, with a comparative focus on the administrative judiciary in France, Egypt, and Iraq. The findings demonstrate that exclusive reliance on fault-based liability is no longer sufficient to ensure effective legal protection for contractors and third parties, particularly in technically complex administrative contracts. In contrast, comparative administrative jurisprudence has increasingly embraced risk-based liability as a mechanism to achieve contractual justice and balance public interests with individual rights.
The study concludes that this shift in the legal foundation of administrative liability does not undermine the principle of legality; rather, it represents its modern application in accordance with the protective function of administrative justice and contemporary standards of public governance. Accordingly, the article recommends the development of Iraqi administrative jurisprudence to better align with these comparative trends.
Keywords: Administrative Liability; Public Employee Errors; Administrative Contracts; Risk-Based Liability; Administrative Judiciary; Public Governance.
-
تحوّل أساس مسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام في العقود الإدارية: دراسة مقارنة في ضوء تطور
القضاء الإداري والحوكمة العامة
الملخصيتناول هذا البحث تحول الأساس القانوني لمسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام في نطاق العقود الإدارية، في ظل التطور الذي شهده القضاء الإداري وتنامي دور مبادئ الحوكمة العامة. وينطلق البحث من إشكالية مفادها مدى كفاية الأساس التقليدي القائم على فكرة الخطأ الوظيفي أو الشخصي في مواجهة التعقيدات المتزايدة للنشاط التعاقدي للإدارة، وما إذا كان هذا الأساس يشهد تحولًا نحو صور من المسؤولية الموضوعية القائمة على المخاطر أو ضمان الأضرار.واعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي مقرونًا بالمنهج المقارن الوظيفي، من خلال دراسة وتحليل الاتجاهات الحديثة في الفقه والقضاء الإداري، مع إجراء مقارنة بين مواقف القضاء الإداري في كل من فرنسا ومصر والعراق. وقد بيّن البحث أن الإعتماد الحصري على نظرية الخطأ لم يعد ملائمًا لتحقيق الحماية القانونية الكافية للمتعاقدين والغير، لا سيما في العقود الإدارية ذات الطابع الفني، وأن القضاء الإداري المقارن قد اتجه إلى توسيع نطاق مسؤولية الإدارة تأسيسًا على فكرة المخاطر وتحقيق العدالة التعاقديةوخلص البحث إلى أن التحول في أساس مسؤولية الإدارة لا يُعد خروجًا عن مبدأ المشروعية، بل يمثل تطبيقًا متطورًا له، ينسجم مع وظيفة القضاء الإداري في تحقيق التوازن بين مقتضيات حسن سير المرافق العامة وحماية الحقوق الفردية، ويوصي البحث بضرورة تطوير الاجتهاد القضائي العراقي بما يستجيب لهذه التحولات ويعزز مبادئ الحوكمة العامة.
مسؤولية الإدارة، أخطاء الموظف العام، العقود الإدارية، المسؤولية القائمة على المخاطر،الكلمات المفتاحية:القضاء الإداري، الحوكمة العامة.
المقدمةاولا: مشكلة البحثعلى الرغم من استقرار القواعد العامة لمسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام في الفقه الإداري التقليدي، إلاّ أنّ التطور المتسارع في طبيعة الوظيفة العامة، واتساع نطاق العقود الإدارية، وتزايد تدخل الإدارة في النشاط الاقتصادي، قد أفرز تساؤلات جديدة حول مدى كفاية الأسس التقليدية لهذه المسؤولية
وتتمثل الإشكالية المركزية لهذا البحث في التساؤل عما إذا كان الأساس القانوني لمسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف في العقود الإدارية ما زال قائمًا على الخطأ الشخصي والوظيفي، أم أنّه يشهد تحولًا نحو مسؤولية موضوعية تُبنى على مخاطر النشاط الإداري وحماية الغير. إنّ المسؤولية الإدارية تعتبر من أهم موضوعات القانون الإداري في التصرفات القانونية المتمثلة بالقرار الإداري والعقد الإداري التي تقوم بها الإدارة بواسطة أشخاص طبيعيين يمثلونها، وقد تمتد آثار هذه التصرفات على الغير لهذه الأهمية فقد اخترنا بحثنا الموسوم (مسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام) ولما كان من الأمر المهم تحديد مفهوم الغير في هذه الدراسة، والوقوف على وجوده في القرار الاإداري والعقد الإداري والآثار المترتبة علية، فقد ارتأينا إتباع المنهج المقارن؛ إذ اخترنا القانون المصري لعقد هذه المقارنة، والمنهج التحليلي لأجل تحليل النصوص القانونية والآراء الفقهية والأحكام القضائية المتعلقة بالموضوع.
إنّ الإدارة باعتبارها شخصا معنويا عاما؛ حتّى تقوم بأعمالها القانونية تحتاج إلى عدة وسائل؛ منها بشرية تتمثل بالموظفين، ومنها قانونية كالتي تمكّن الإدارة من الوفاء بالتزاماتها والمهام الملقاة على عاتقها. وقد بينّا في هذه الدراسة أنّ أهم تلك الوسائل هي التصرفات القانونية التي تتخذها الإدارة بواسطة موظفيها، ويترتب عليها آثار قانونية أيضا، وقد تظهر فكرة الغير وتحتل مكانا متميزا في مجال القانون الاداري.ثانيا: أهمية البحثیعدّ موضوع مسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام شأنه شأن سائر المسؤولیات لمختلف الوظائف والمهن من الموضوعات الجدیرة بالبحث والدراسة، وذلك لأهمیته النظریة والعملیة على حد سواء،فالموظف العام یتدخل باسم جهة الإدارة وقد یرتكب أخطاءً تسبب ضررا للغیر، وهذا الأخیر یحق له المطالبة بالتعویض جبرا للضرر الذي أصابه، وهو ما یؤدي عملا إلى مساءلة الموظف العام مدنیا وتحمیله عبء التعویض عما یتسبب فیه من أضرار، ومن هنا تأتي أهمیة هذه الدراسة في تناولها لأحكام هذه المسؤولیة سواء من حیث مفهومها، واساسها، وحالاتها، والجزاء المترتب على قیامها. كما أنّ لهذه الدراسة أهمیة تتجلى في خصوصیة القواعد القانونیة التي تطبق بشان المسؤولیة التي تتحملها الإدارة. كما تتجلى الأهمیة العملیة لهذه الدراسة في التطبیق العملي لمفهوم الخطأ الذي ارتكبه الموظف العام، وبالتالي المسؤولیة الملقاة على عاتق الإدارة، وبخاصة في ظل السلطة التقدیریة للقاضي بالنظر الى طبیعة النشاط الذي یمارسه الموظف والسلطات التي یحوزها.ثالثا: أهداف البحثتسعى الدراسة إلى تحقیق الأهداف الاتیة:
1.بيان كيفية ممارسة الإدارة لأعمالها.
2.بيان الجوانب القانونية التي تحكم مسؤولية الإدارة العامة عن أخطاء موظفيها.
3.بيان الأساس الذي تقوم عليه مسؤولية الإدارة عن أخطاء موظفيها.رابعا: منهجية البحث- المنهج النقدي
- المنهج المقارن الوظيفي (Functional Comparison)
واعتمد البحث، إلى جانب المنهج الوصفي التحليلي، على المنهج النقدي لتقييم مدى ملاءمة القواعد التقليدية لمسؤولية الإدارة، فضلًا عن المنهج المقارن الوظيفي، الذي لا يقتصر على المقارنة النصية، وإنّما يتناول كيفية معالجة النظم القانونية المختلفة للإشكالية ذاتها من حيث الوظيفة والغاية.
تحقيقًا لأهداف البحث، ومعالجةً للإشكالية المطروحة، تم تقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث، تناول المبحث الأول الإطار المفاهيمي لمسؤولية الإدارة في نطاق العقود الإدارية، من حيث مفهوم المسؤولية، وطبيعة الإدارة، ومفهوم الخطأ الإداري وأثره في قيام المسؤولية.
وتناول المبحث الثاني مسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام في العقود الإدارية، وذلك من خلال بيان مظاهر هذه المسؤولية في مرحلتي إبرام العقد وتنفيذه، مع التركيز على مركز الغير وحدود حمايته.
أما المبحث الثالث فقد خُصِّص لدراسة التحول في أساس مسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام في العقود الإدارية، من خلال تحليل الاتجاهات الحديثة في الفقه والقضاء الإداريين، وإجراء دراسة مقارنة بين مواقف القضاء الإداري في كل من فرنسا ومصر والعراق، وصولًا إلى تقييم موقف القضاء العراقي في ضوء مبادئ الحوكمة العامة.
وانتهى البحث بخاتمة تضمّنت أهم النتائج والتوصيات، تلتها قائمة بالمصادر والمراجع.المبحث الأولالإطار المفاهيمي لمسؤولية الإدارة في نطاق العقود الإداريةالمطلب الأولمفهوم مسؤولية الإدارةتُعد مسؤولية الإدارة من أهم النظم القانونية التي ابتدعها القانون الإداري لتحقيق التوازن بين امتيازات السلطة العامة وضمان حماية حقوق الأفراد، ولا سيما في مواجهة الأضرار التي تنشأ عن نشاط المرافق العامة. وقد استقر الفقه الإداري على أنّ مسؤولية الإدارة لا تُعد مجرد صورة من صور المسؤولية المدنية، وإنّما تمثّل نظامًا قانونيًا مستقلًا له مقوماته وأهدافه الخاصة، يرتبط بطبيعة النشاط الإداري وخصوصية الوظيفة العامة(8). وهو تمييز لا ينفي وجود أصول مشتركة بين المسؤولية الإدارية والمسؤولية المدنية من حيث العناصر العامة، كما هو مستقر في الفقه المدني. (3)
ويجد هذا المفهوم سنده اللغوي في دلالة المسؤولية باعتبارها التبعة والالتزام، وهو ما قرّره أهل اللغة عند تعريفهم للمسؤولية (1). وقد أكّد الزبيدي هذا المعنى اللغوي، حين ربط المسؤولية بالمؤاخذة والمحاسبة على الفعل أو الإمتناع. (2)
وتقوم مسؤولية الإدارة عندما يُنسب إليها فعل غير مشروع صدر عن أحد موظفيها أثناء ممارسة الوظيفة أو بسببها، وترتب عليه ضرر يصيب المتعاقد معها أو الغير. ويُعزى هذا الإسناد إلى أن الموظف العام لا يعمل لحسابه الشخصي، وإنما باعتباره أداة قانونية في يد الإدارة، فتُسأل الأخيرة عن نتائج نشاطه متى كان مرتبطًا بالوظيفة العامة (9).
ومع تطور نشاط الإدارة واتساع نطاق تدخلها في المجالات الاقتصادية والتعاقدية، لم يعد من الملائم قصر مسؤوليتها على المفهوم التقليدي القائم على إثبات الخطأ الشخصي أو الوظيفي، بل أصبح من الضروري النظر إلى هذه المسؤولية بوصفها وسيلة لتوزيع المخاطر الناتجة عن النشاط الإداري، خاصة في مجال العقود الإدارية التي يترتب على تنفيذها آثار تمس مراكز قانونية متعددة (10). وهو ما يتفق مع التحليل الإداري الحديث الذي يربط بين اتساع وظائف الإدارة العامة وتزايد تدخلها في المجالات الاقتصادية والخدمية . (5) حيث لم تعد الإدارة جهازًا تنفيذيًا محايدًا، بل فاعلًا اقتصاديًا وتعاقديًا، بما يفرض إعادة النظر في قواعد مساءلتها (6).
وانطلاقًا من ذلك، يعتمد هذا البحث مفهومًا وظيفيًا لمسؤولية الإدارة، يركّز على الغاية الحمائية لهذا النظام القانوني، دون الإنصراف إلى الجدل النظري المجرد حول التعريفات، وهو ما يتفق مع طبيعة البحث العلمي المنشور الذي يستهدف معالجة إشكالية قانونية محددة في إطار عملي تطبيقي.المطلب الثانيمفهوم الإدارة في إطار المسؤولية عن أخطاء الموظف العاميُقصد بالإدارة في نطاق القانون الإداري الأشخاص المعنوية العامة التي تباشر الوظيفة التنفيذية بهدف تحقيق المصلحة العامة، مستخدمة في ذلك وسائل القانون العام، سواء في صورة قرارات إدارية أو عقود إدارية. وتمارس الإدارة نشاطها من خلال موظفيها العموميين الذين يُعدّون وسيلتها البشرية في إظهار إرادتها وتنفيذ اختصاصاتها(5).
ويترتب على هذا التنظيم أن تُنسب تصرفات الموظف العام إلى الإدارة متى صدرت عنه أثناء أداء وظيفته أو بسببها، حتى وإن انطوت على خطأ، باعتبار أن علاقة التبعية الوظيفية تُشكل الأساس القانوني لإسناد المسؤولية. وقد أكّد القضاء الإداري هذا الاتجاه حمايةً للمتضررين وضمانًا لحسن سير المرافق العامة (16) .
وتتميز الإدارة، بخلاف الأشخاص الخاصة، بامتلاكها امتيازات السلطة العامة، والسلطة التقديرية في إدارة المرافق، وهو ما يفرض إخضاعها لنظام مسؤولية خاص يراعي هذه الخصوصية، ويمنع في الوقت ذاته التعسف في استعمال السلطة أو الإضرار بالغير دون تعويض(13).
ويُسهم هذا التطور في تعزيز مخاطر النشاط الإداري كما تشير إليه دراسات الإدارة العامة المقارنة. (7)
ولأغراض هذا البحث، لا يُنظر إلى الإدارة بوصفها مفهومًا نظريًا مجردًا، وإنما باعتبارها طرفًا فاعلًا في العقود الإدارية، تنشأ عن تصرفاتها أثناء إبرام العقد أو تنفيذه مخاطر قانونية تستوجب تحديد الأساس الذي تقوم عليه مسؤوليتها عن أخطاء الموظف العام، وهو ما يمهّد لدراسة التحول الذي شهده هذا الأساس في ضوء تطور القضاء الإداري.المطلب الثالثمفهوم الخطأ الإداري وأثره في قيام مسؤولية الإدارةيُعد الخطأ الإداري أحد العناصر الأساسية التي تقوم عليها مسؤولية الإدارة في صورتها التقليدية، وقد شغل هذا المفهوم حيّزًا واسعًا في الفقه والقضاء الإداريين، نظرًا لإرتباطه المباشر بتحديد نطاق مساءلة الإدارة عن الأضرار الناشئة عن نشاط موظفيها. ويتميّز الخطأ الإداري عن الخطأ المدني بإرتباطه بالوظيفة العامة وبطبيعة النشاط الإداري الذي يُمارس لتحقيق المصلحة العامة (8) . إذ يُعد الخطأ، في أصل بنائه القانوني، أساسًا تقليديًا للمساءلة في مختلف فروع القانون، وهو ما أكّده الفقه عند تحليله لفكرة الخطأ الموجب للمسؤولية (4).
ويتحقق الخطأ الإداري متى صدر عن الموظف العام، أثناء ممارسته لوظيفته أو بسببها، سلوك ينطوي على إخلال بواجبات الوظيفة أو مخالفة لمبدأ المشروعية، سواء تمثل هذا السلوك في فعل إيجابي أو امتناع غير مشروع، متى ترتب عليه ضرر يصيب المتعاقد مع الإدارة أو الغير. ولا يُشترط في هذا الصدد ثبوت القصد أو سوء النية، إذ يكفي انحراف السلوك الإداري عن معيار الموظف المعتاد في ذات الظروف (10).
وقد استقر القضاء الإداري على التفرقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي (أو الوظيفي)، حيث يُسأل الموظف شخصيًا عن الخطأ المنفصل عن الوظيفة، بينما تتحمل الإدارة المسؤولية عن الخطأ الذي يقع بمناسبة أداء الوظيفة أو بسببها. غير أن هذه التفرقة، على أهميتها النظرية، أثبتت محدوديتها العملية، لا سيما في مجال العقود الإدارية، حيث تتداخل الاعتبارات الفنية والتنظيمية، ويصعب أحيانًا الفصل بين الخطأ الشخصي والخطأ الوظيفي(9).
وفي هذا الإطار، اتجه القضاء الإداري في العديد من أحكامه إلى توسيع نطاق الخطأ الإداري، تغليبًا لاعتبارات حماية المتضررين وضمان حسن سير المرافق العامة، فأقام مسؤولية الإدارة عن أخطاء موظفيها متى كان النشاط محل الخطأ مرتبطًا بالمرفق العام، حتى وإن أمكن من الناحية النظرية نسبة الخطأ إلى الموظف ذاته(16).
ومع تطور النشاط الإداري وتعقّد العلاقات التعاقدية التي تبرمها الإدارة، برز اتجاه فقهي حديث يشكك في كفاية الاعتماد الحصري على فكرة الخطأ كأساس لمسؤولية الإدارة، خاصة في الحالات التي تنشأ فيها الأضرار نتيجة مخاطر النشاط الإداري ذاته، دون إمكانية تحديد خطأ شخصي محدد. وقد مهّد هذا الإتجاه لظهور صور من المسؤولية الإدارية ذات الطابع الموضوعي، التي تُبنى على فكرة المخاطر أو ضمان الأضرار، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في نطاق العقود الإدارية (11) .
وبناءً عليه، لا يتناول هذا البحث مفهوم الخطأ الإداري بوصفه غاية في ذاته، وإنما كمرحلة ضمن تطور أوسع يشهده أساس مسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام في العقود الإدارية، تمهيدًا لبحث التحول نحو أسس أكثر مرونة وملاءمة لمتطلبات القضاء الإداري الحديث ومبادئ الحوكمة العامة.المبحث الثانيمسؤولية الإدارة عن خطأ الموظف في العقد الإداريتلجأ الإدارة في نشاطها الإداري إلى إبرام العقود الإدارية مع الآخرين، والتي تعد وسيلة لأداء واجباتها ووفاءها بمهامها المنوطة بها. وعلية سنقسم هذا المبحث الى مطلبين :المطلب الأولمسؤولية الإدارة عن خطأ الموظف في مرحلة إبرام العقد الإداري.تتمتع الإدارة العامة في نطاق القانون العام بامتيازات السلطة العامة، وقد تسعى في إبرام العقود الإدارية إلى تحقيق المصلحة العامة، إلاّ أنّ المشرّع يضع قيودا على سلطتها في مجال العقود الإدارية ليقيد حريتها في كثير من القيود في إجراءات التعاقد، وهذه القيود تعدّ ضوابط حددها القانون على الإدارة للإلتزام بها، وإنّ هذه المرحلة تتمكّن من خلالها الإدارة أن تطّلع على أساسيات التعاقد، وتكوين فكرة شاملة، وهذه الإجراءات تمثل مرحلة تمهيدية لتقدير إحتياجاتها الفعلية لكي تمارس نشاطها. وتبرز في هذا الإطار خصوصية التعاقدات الحكومية بوصفها أداة لتنفيذ السياسات العامة وتحقيق المصلحة العامة. (15)
فإنّ العقد الإداري يولّد حقوقا سواءً لطرفي العقد او الغير وعند إخلال الإدارة بها يرتّب مسؤوليتهاالعقدية، وتأسيسا على ذلك يجب على الإدارة عند ممارسة سلطتها الإلتزام بمبدأ المشروعية بشأن مراعاة كل ما أوجبه القانون من قواعد وإجراءات في مرحلة إبرام العقد الإداري، وعند مخالفتها لهذهالإجراءات تعد مخالفه للقانون، ويرتّب وغالبا ما تمسّ هذه المخالفه أشخاصا ليسو طرفا في العقد، وإنّ التزامها يعدّ حقا للغير، وإذا اخلّت به الإدارة يحقّ له الطعن به، فإذا حدث أي إخلال بهذه الحقوق من قبل الإدارة وسببت ضرر يحق لصاحب المصلحة الطعن بها حتى وإن كان من الغيربالنسبة للعقد سواءً كان هذا الطعن على القرارات التي تم بموجبها إبرام العقد أو على العقد ذاته.
وعليه سنبيّن مسؤولية الإدارة عن خطأ الموظف في مرحلة إبرام العقد من حيث خطأ الموظف فيالإجراءات السابقة على التعاقد وخطأ الموظف في مرحلة التعاقد الذي تسأل عنه الإدارة.أوّلا: مسؤولية الإدارة عن خطأ الموظف في الإجراءات السابقة على مرحلة إبرام العقد الإداري :إنّ الإدارة وهي بصدد إبرام العقد الإداري أن تتّخذ جملة من الإجراءات القانونية حتى يتم إبرامه، ويقصد بهذه الإجراءات السابقة على التعاقد؛ هي مرحلة تمهيدية لإحتياجات الإدارة الفعلية والخطوةالأولى للشروع بعملية التعاقد. وهي إجراءات وقواعد رسمها المشرع لها يتطلب اتباعها من جهة التعاقد والتقيّد بها، على أن تتم تلك الإجراءات على أحسن وجه، وحتى تتحقق الأهداف المرجوّة منها، وتشمل هذه الإجراءات الإعتماد المالي، والاستشارات السابقة على التعاقد والتصريح بإبرام التعاقد من جهة محددة، كما أن تتقيد بمبادئ رئيسية للوصول إلى عدالة التعاقد تتمثل في حرية الطلبات والمساواة في معاملة المتقدمين للمنافسة وسلامة الإجراءات، فالإدارة ليست حرة في اختيار المتعاقد معها وانما مقيّدة بأوضاع وإجراءات معينة يترتب عليها إحترامها. وعند عدم مراعاتها يحقّ لكلّ ذي مصلحة وهو (الغير) بالفرض أن يطعن بها والتعويض عنها.
إنّ من الأصول المسلم بها أن الإدارة لا تماثل الأفراد في حرية التعبير عن الإرادة في إبرام العقود، حيث يملك الأفراد الحرية الكاملة دون التقيّد بإجراء معيّن عند إبرام العقود، بينما نجد الإدارة وبصفة عامة في ممارسة سطلتها وبصفة خاصة في إبرام العقود الإدارية مقيّدة بإجراءات وقواعد رسمها المشرّع لها، وعليه فإنّ القانون يتطلّب من الإدارة أن تستكمل كافة الإجراءات الشكلية قبل إبرام العقود الإدارية، ومنها ما يتعلق بإجراءات سابقة على التعاقد أو بإختيار المتعاقد معها فقد حددها القانون بطريقتين هما المزايدات والمناقصات، أو قد يحدد القانون الجهة المختصة للبتّ بالمزايدة والمناقصة، أو الحصول على تصريح بالتعاقد من جهة معيّنة كالبرلمان، حيث يتعيّن على الإدارة فيما يخصّ الإجراءات السابقة على التعاقد أن تتقيّد ببعض الضوابط والقيود التي نصّ عليها القانون، ومنها الإعتماد المالي، والاستشارات السابقة على التعاقد والتصريح بإبرام التعاقد من جهة محددة. فإذا خرجت عمّا يتطلبه المشرّع قد يلحق العقد بالبطلان ، ومن ثم يحقّ لكل ذي مصلحة سواءً منالمتعاقدين او من الغير كالمنافس المبعد الطعن به او الطعن بالقرارات السابقة على التعاقد.
أمّا في مصر فإنّ الإعتماد المالي يعدّ من القيود اللاّزمة السابقة على التعاقد التي تتقيّد بها جهةالإدارة، إذ لا تستطيع أن تتعاقد وتلزم نفسها نتيجة لهذا التعاقد بمبالغ مالية دون وجود الإعتماد المالي الكافي لتغطية النفقات الناتجة عن العقود المبرمة. فقد نصّت المادة (11) من قانون رقم 182 لسنة 2018 قانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة على أنّه " يجب على الجهة الإدارية قبل البدء في اتخاذ إجراءات الطرح التحقق من توافر الإعتمادات المالية المخصصة لديها لتنفيذ موضوع التعاقد على أن تتضمن شروط الطرح ما يفيد ذلك ..".
وقد لا يترتب على مخالفة الإدارة لقواعد الإعتماد المالي بطلان التصرّف القانوني، فإنّ الإدارة إذا قامت بإبرام العقد بالرغم من عدم توفّر الإعتماد المالي أو أنّ مشروع العقد غير مدرج ضمن موازنتها، فإنّ العقد يكون سليما وملزما لها سواءً كان الإعتماد المالي أقلّ من التزامات العقد المالية أو غير موجود كليا.
وقد قضت المحكمة الإدارية العليا بأنّه " من المقرّر في قضاء المحكمة الإدارية العليا، إنّ الرابطة العقدية تنشأ بتوافق إرادتين، ومن ثمّ يتولّد عنها مراكز فردية وذاتية يكون مصدرها العقد، وبالتالي فإنّ العقد الإداري الذي تبرمه الإدارة مع الغير ينعقد سليما وملزما للطرفين سواءً كان الإعتماد المالياللازم لتنفيذ الأعمال محل التعاقد موجودا كله أو غير موجود ، أو توافر بعضه فقط عند التعاقد، فلذلك كلّه لا يمسّ صحة العقد أو نفاذة و إن رتّب مسؤولية من نوع آخر وعلى أسس أخرى للإدارة وموظفيها".
أمّا في العراق فقد اشترط المشرّع العراقي على جهة التعاقد إن توفّر التخصيص المالي، لغرض تجهيز المنقولات أو السلع والخدمات للجمهور بتأييد الدائرة المالية في الجهة المتعاقدة قبل إعداد وثائقالمناقصة للتعاقد الذي يتم تمويلها من الموازنتين الجارية والتشغيلية.
وبما أنّ الإعتماد المالي يجب اأن يخصّص في قانون الموازنة الإتحادية التي تعدّذها السلطة التنفيذية، ويتم إقرارها من قبل السلطة التشريعية وفقا للمادة (62|اولا) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 فقد نصّت على " يقدّم مجلس الوزراء مشروع قانون الموازنة العامة والحساب الختامي إلى مجلس النوّاب ". وقد نصّت المادة (7) من تعليمات تنفيذ الموازنة العامة الإتحادية لسنة 2021 على" ا-التأكيد على الإلتزام التام بأحكام قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019 المعدل المتضمّن عدم الدخول بأي التزامات مالية او التعاقد على تجهيز مواد أو سلع أو تقديم خدمات قبل التأكّد من توفّر التخصيص المالي اللازم لذلك في الموازنة المختصة، ويتحمل الأمر بالصرف المسؤولية في حالة التجاوز على التخصيصات ".
وقد نصّت تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة 2008 المعدّل في المادة (3) " أولا : على جهات التعاقد في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة، والأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم مراعاة استكمال المتطلبات التالية قبل إعادة وثائق المناقصات ومنها الفقرة (ج) من هذا البند وجود تخصيصات لتنفيذ العقد في الموازنة العامة الإتحادية مؤيدة من الجهات المختصة لطلبات احتياجاتالجهات التعاقدية، مع الإشارة في وثائق العطاءات إلى التبويب الخاص بالمشروع في الخطة ".
اما تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (2) لسنة 2014 فقد نصّت في المادة (2) منها أنهُ " ثانيا- تلتزم جهة التعاقد باستكمال المتطلبات التالية قبل إعداد وثائق المناقصات للتعاقدات الممولة من الموازنتين الجارية والتشغيلية : ج- توفر التخصيص المالي لتجهيز السلع والخدمات او المقاولات بتأييد الدائرة المالية في جهة التعاقد" لذلك ضرورة توفر التخصيص المالي في عملية التعاقدات الحكومية ضمن الموازنات المالية المعدة من قبل جهات المختصة.ثانيا : مسؤولية الإدارة عن خطأ الموظف في مرحلة إبرام العقد الاداري.قد تختار الإدارة طرق متعددة في تعاقداتها وفقا لنوع العقد الإداري وظروف التعاقد، وقد تتقيّد الإدارة في إتباع هذه الطرق وفقا لما رسمهُ المشرع في عملية التعاقد، والأشخاص الذين تتعاقد معهم، فإنّ الإدارة تتقيّد بمبادئ رئيسية للوصول إلى عدالة التعاقد تتمثّل في حرية الطلبات والمساواة في معاملة المتقدمين للمنافسة وسلامة الإجراءات، فإنّ إخلال الإدارة بهذه المبادئ خطأ يسمح لمن تضرر به الحق بالطعن أمام القضاء ضدّ تصرفات الإدارة المخالفة للقانون ويطالب بالتعويض إن كان له مقتضى، وفي سبيل ذلك فقد تتّخذ الإدارة طرق متعددة لإبرام العقد الإداري ومنها المناقصة الطريقة الأشهر التي تتخذها الإدارة في تعاقداتها مع الأفراد، وعليه سنبيّن طريقة المناقصة في التعاقدات الإدارية، وما يترتب عليها من اخطاء يرتّب مسؤولية الإدارة, من حيث مفهومها والمبادئ التي تتقيد بها الادارة تجاه المتقدمين للتعاقد، ومن ثم فحص العطاءات والإحالة .المطلب الثانيمسؤولية الادارة عن خطأ الموظف في مرحلة تنفيذ العقد الإدارييمثل خطأ الموظف الإداري المتجسّد في هذه المرحلة، و الذي يرتّب مسؤولية الإدارة هو أنّه وبعد إتمام عملية التعاقد تبدأ مرحلة جديدة؛ وهي مرحلة تنفيذ العقد. حيث تعتبر هذه المرحلة أهم مرحلة من مراحل إبرام العقد الإداري والتي يتم فيها إنهاء العقد بالتنفيذ. وعليه سنقسم هذا المطلب إلى ما يأتي:-اولا : مسؤولية الادارة عن خطا الموظف في التزاماتها ذات الطبيعة الفنية .إنّ التزامات الإدارة ذات الطبيعة الفنية تعد من أهم الإلتزامات، والتي تتمثل بوضع التصاميم والمواصفات الفنية التي تعدّ من أولى التزامات الإدارة التي يجب عليها مراعاتها خلال تنفيذ العقد بمراجعة هذه التصاميم والمقاسات ومطابقتها وفقا للدراسات التي أعدّتها مسبقا، على ان تكون تلكالشروط والمواصفات معدّة بصورة دقيقة لتجنب الوقوع بخطأ الموظف، ولتجنّب تكرار التغيير بسبب عدم دقّة هذه الشروط والمواصفات، لذلك يجب على الإدارة أن تتظافر جهودها في إعداد المواصفات لمحل موضوع العقد من قبل كافة ملاكات وتشكيلات الجهة المعنية، بالتعاقد مع رفد تلك التشكيلات بذوي الخبرة والاختصاص من الملاكات الفنية والهندسية المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، وعلى الإدارةالتقيد بها وإلاّ قامت مسؤوليتها، وعند إهمال أو خطأ الموظف في ذلك يرتب ضرر للغير كأن يكون تنفيذ العمل في موقع آخر غير الموقع المحدد في العقد، وعلينا أيضا أن نبيّن من هو الغير في هذاالمجال ؟ وهو المقصود به ملاّك العقارات المجاورة لموضوع العقد والأفراد العاديين الذين تتضرر مصالحهم جرّاء تنفيذ العقد الإداري. وهذا ما نبينه في العراق والدول المقارنة .
ففي فرنسا، أكّدت الشروط العامة للعقود الإدارية على " قيام المسؤول عن تنفيذ العقد بتجهيز المتعاقد بكافة المستندات الضرورية للعقد مع وثيقة الإلتزام ". فإذا كانت الإدارة قد أخطأت في وضع التصاميم والمقاييس، أو أنها لم تراجع ما قد اتخذته لمطابقة الدراسات التي وضعتها مسبقا فعند ظهور خطا في تنفيذ العقد، يرتّب مسؤولية الإدارة.
أمّا المشرّع المصري فقد أكّد على جهة الإدارة أن تشكّل لجنة فنية لهذا الغرض- على أن تكون ذات خبرة فنية- فعلى الإدارة أن تنفّذ العقد بصورة جيدة وفقا للتصاميم والدراسات، فإذا ظهر خطأ خلال تنفيذ العقد من قبل الإدارة؛ كأن أخطأت في وضع المرتسمات والقياسات والتصاميم، أو كانت قد وصفتها بوضع عشوائي ونفذتها على أرض الواقع فهذا يرتذب مسؤوليتها على أساس خطأ الموظف، وعليه فإنّ القضاء الإداري في مصر أقرّ بمسؤولية الإدارة نتيجة خطئها في تحديد المواصفات الفنية أو الرسومات الهندسية للمشروع، أو في مساحته اأو تم تنفيذ العقد في موقع مختلف عن الموقع المحدد في العقد مما يتسب في ترتيب ضرر للمتعاقد والغير( الملاك المجاورين لموقع العمل ).
وفي العراق فقد تقع على عاتق الإدارة وضع التصاميم والخرائط والمواصفات، وعلى المقاول تنفيذ ذلك فالإدارة ملزمة بوضع التصاميم والخرائط مما يستلزم التنفيذ، فقد يكون المقاول في عقد الأشغال العامة ملزم بإتباع ما تضعه الإدارة من مواصفات وتصاميم، على أن تكون هذه التصاميم معدّة مسبقا قبل تسليم موقع العمل وعلى أن تكون صحيحة ودقيقة ، وعند وجود خلل فيها يرجع إلى خطأ الإدارة، فإذا ظهرت أخطاء في القياسات والرسومات خلال التنفيذ وكانت هذه الأخطاء منسوبة للإدارة فإنّها تؤدّيإلى مسؤوليتها التعاقدية كان يكون التنفيذ في غير الموقع المحدد في العقد مما يسبب أضرار للمتعاقد مع الإدارة والغير، وهذا ما قضت به محكمة التمييز بأن " .. من التزامات المميزين ( وزير البلديات والأشغال العامة ومدير المشاريع العام /إضافة لوظيفتهما ) تسليم موقع العمل للمقاول تسليما فعليا ولما كان ذلك لم يحصل بتاريخ الإحالة فلا يمكن افتراض التسليم لأنّ التسليم واقعة ماديّة لابدّ من حصولها فعليا ..وهذا لم يتحقق بالنسبة للمقاولين، بل الإهمال بتسليم موقع العمل كان من الإدارة ".ثانيا :مسؤولية الادارة عن خطا الموظف في قرارتها اثناء تنفيذ العقد الاداري.بعد أن كان حقّ الغير الطعن بخطأ الموظف في الإجراءات السابقة على إبرام العقد وكذلك في مرحلة الإبرام، فماذا عن مرحلة تنفيذه ؟ هل يحقّ للغير الطعن في القرارات المتعلقة بتنفيذ العقد الإداري؟. فيما إذا كانت صادرة عن الإدارة ومخالفة لمبدأ المشروعية، فإنّ بعد إبرام العقود الإدارية قد تتّخذ جهة الإدارة المتعاقدة العديد من القرارات الإدارية في مرحلة تنفيذها، إلاّ أنّ تلك القرارات قد تصدر بعضها مخالفة لما اتّفق عليه المتعاقدان في مضمون العقد، وأنّ مخالفة القرار الإداري للشروط التعاقديةالمنصوص عليها في العقد ذاته لا تعدّ مخالفة للمشروعية، وعليه لا يمكن الطعن به بالإلغاء إذا كان السبب هو مخالفة القرار لنصوص العقد.
حيث يضطلع القاضي الإداري بدور محوري في حماية الغير المتأثرين بتنفيذ العقود العامة، من خلال توسيع نطاق رقابته على القرارات الصادرة أثناء التنفيذ، ولو لم يكونوا أطرافًا في العقد. (20)المبحث الثالثتحوّل أساس مسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام في العقود الإدارية(دراسة تحليلية مقارنة)لم يعد الأساس التقليدي لمسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام، القائم على فكرة الخطأ الوظيفي أو الشخصي، كافيًا لمواجهة التعقيدات المتزايدة التي أفرزها تطور النشاط الإداري، ولا سيما في مجال العقود الإدارية. فقد أدّى اتساع نطاق تدخّل الإدارة في المجالات الاقتصادية والفنية، وتزايد الأضرار التي تلحق بالمتعاقدين والغير، إلى إعادة النظر في الأسس القانونية التي تقوم عليها هذه المسؤولية، تمهيدًا للانتقال من المسؤولية القائمة على الخطأ إلى صور أكثر مرونة تقوم على فكرة المخاطر أو الضمان.
وانطلاقًا من ذلك، يتناول هذا المبحث مظاهر التحوّل في أساس مسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام في العقود الإدارية، من خلال تحليل الإتجاهات الحديثة في الفقه والقضاء الإداري، مع إجراء مقارنة بين مواقف القضاء الإداري في كل من فرنسا ومصر والعراق.المطلب الأولالقصور العملي لأساس الخطأ في مجال العقود الإداريةيقوم الأساس التقليدي لمسؤولية الإدارة على ضرورة إثبات الخطأ المنسوب إلى الموظف العام، سواء أكان خطأً مرفقيًا أم شخصيًا، وهو ما يفترض إمكانية تحديد سلوك خاطئ محدد يشكل انحرافًا عن واجبات الوظيفة. غير أنّ هذا الأساس يواجه صعوبات عملية واضحة في مجال العقود الإدارية، حيث تتداخل الإعتبارات الفنّية والتنظيمية، ويغدو من العسير أحيانًا عزل الخطأ الفردي عن طبيعة النشاط الإداري ذاته. وقد أولى الفقه الإداري أهمية خاصة لفكرة الخطأ الجسيم لما لها من أثر مباشر في تشديد نطاق المسؤولية الإدارية أو تخفيفها. (10)
وقد أشار الفقه الإداري إلى أنّ اشتراط إثبات الخطأ في هذا المجال قد يؤدي إلى حرمان المتضررين من التعويض، لا سيما في الحالات التي ينشأ فيها الضرر نتيجة تعقيد الإجراءات الإدارية أو قصور التنظيم أو المخاطر الملازمة لتسيير المرفق العام، دون إمكانية إسناد الخطأ إلى موظف بعينه.
(انظر: د. سليمان محمد الطماوي، الأسس العامة للعقود الإدارية، دار الفكر العربي، ص 744).
ويزداد هذا القصور وضوحًا في العقود الإدارية ذات الطابع الفني، كعقود الأشغال العامة والتجهيز والخدمات، حيث قد ينشأ الضرر عن تصاميم غير دقيقة، أو قرارات تنظيمية خاطئة، أو تغييرات متكررة في شروط التنفيذ، وهي أوضاع يصعب إخضاعها للمعيار التقليدي للخطأ.
(راجع: رفح كريم رزوقي، المسؤولية التعاقدية للإدارة القائمة على الأخطاء، مجلة المحقق الحلي، العدد 3، 2015، ص 487).المطلب الثانيالإتجاه نحو المسؤولية القائمة على المخاطر في القضاء الإداري المقارنأدّى القصور العملي لنظرية الخطأ إلى بروز اتجاه حديث في القضاء الإداري، يقوم على تحميل الإدارة تبعة الأضرار الناشئة عن نشاطها، بصرف النظر عن إثبات الخطأ، متى كان الضرر نتيجة مباشرة لمخاطر النشاط الإداري أو لطبيعة المرفق العام. ويُعدّ هذا التحوّل نتيجة لإعادة بناء الأسس النظرية لمسؤولية الإدارة في الفقه الإداري الحديث.(18) خاصة في مجال العقود الإدارية التي تُعد بيئة خصبة لتطبيق المسؤولية دون خطأ. (19)
ففي فرنسا، اضطلع القضاء الإداري بدور ريادي في إرساء المسؤولية الإدارية القائمة على المخاطر، خاصة في مجال الأشغال العامة والعقود الإدارية، حيث قرّر مجلس الدولة الفرنسي مسؤولية الإدارة عن الأضرار التي تصيب الغير بسبب تنفيذ العقود الإدارية، ولو في غياب خطأ ثابت من جانب الموظف العام، تأسيسًا على فكرة ضمان الأضرار وتحقيق العدالة. ويرى الفقه الفرنسي المعاصر أن تحميل الإدارة تبعة مخاطر نشاطها يمثل تطورًا منطقيًا لمسؤوليتها. (17)
أما في مصر، فقد اتجه القضاء الإداري إلى التوسع في مساءلة الإدارة عن أخطاء موظفيها في العقود الإدارية، مع الميل في بعض الأحكام إلى تحميل الإدارة المسؤولية متى كان الضرر مرتبطًا بسير المرفق العام، ولو تعذر إثبات الخطأ الشخصي بدقة، وذلك حمايةً للمتعاقدين والغير(16).
وفي المقابل، ما زال القضاء العراقي يميل إلى إخضاع مسؤولية الإدارة في هذا المجال لقواعد المسؤولية التقصيرية المدنية، مع التركيز على عنصر الخطأ، وهو ما يحدّ من نطاق الحماية القانونية المقررة للمتضررين، ولا ينسجم مع خصوصية النشاط الإداري وطبيعة العقود الإدارية(13).
ولغرض إبراز الفروق الجوهرية بين مواقف القضاء الإداري في الدول محل الدراسة، يمكن تلخيص الاتجاهات المقارنة لمسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام في العقود الإدارية على النحو الآتي:الدولة أساس مسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف موقف القضاء الإداري مستوى حماية الغير فرنسا مسؤولية موضوعية قائمة على المخاطر وضمان الأضرار توسعي ومتطور، يميل إلى تحميل الإدارة تبعة نشاطها التعاقدي حتى دون إثبات الخطأ مرتفع مصر أساس مختلط يجمع بين الخطأ وتحمل المخاطر متذبذب، يتوسع أحيانًا في مساءلة الإدارة ويعود أحيانًا لاشتراط الخطأ متوسط العراق مسؤولية تقصيرية قائمة على إثبات الخطأ تقليدي ومقيد، يخضع غالبًا لقواعد القانون المدني ضعيف ويُظهر هذا العرض المقارن أن الاختلاف بين مواقف القضاء الإداري في فرنسا ومصر والعراق لا يقتصر على الجانب الإجرائي، بل يمتد إلى الأساس الفلسفي لمسؤولية الإدارة. ففي حين ينطلق القضاء الإداري الفرنسي من تصوّر موضوعي للمسؤولية، يركّز على ضمان الأضرار وتحميل الإدارة تبعة مخاطر نشاطها التعاقدي، ما يعكس وظيفة حمائية واضحة للقضاء الإداري، كما ما يزال القضاء العراقي أسيرًا للتصور التقليدي للمسؤولية التقصيرية، القائم على إثبات الخطأ، وهو ما يحدّ من فعالية الحماية القانونية للغير والمتعاقدين مع الإدارة.
أما القضاء الإداري المصري، فيتّخذ موقفًا وسطًا، إذ يتأرجح بين التوسع في مساءلة الإدارة حمايةً للغير، والعودة إلى اشتراط إثبات الخطأ في بعض الحالات، الأمر الذي يؤدي إلى غياب استقرار قضائي واضح في هذا المجال.
ويُعزى هذا التفاوت إلى اختلاف تطور القضاء الإداري ذاته، ومدى استقلاله عن قواعد القانون الخاص، فضلًا عن اختلاف درجة تبني مبادئ الحوكمة العامة، ولا سيما مبدأي المساءلة وتحمل المخاطر، في كل نظام قانوني.المطلب الثالثتقييم الاتجاهات المقارنة وموقف القضاء العراقيتُظهر المقارنة بين النظم القانونية محل الدراسة أن الإتجاه نحو المسؤولية القائمة على المخاطر يمثّل تطورًا منطقيًا تفرضه طبيعة العقود الإدارية وتعقيدها، ويحقق توازنًا أفضل بين متطلبات حسن سير المرافق العامة وحماية الحقوق الفردية. وهو ما يؤكّده جانب من الفقه العراقي الذي يرى أن القضاء الإداري لا يزال متردّدًا في تبني الأسس الحديثة للمسؤولية الإدارية. (14)
وفي هذا السياق، يبرز قصور الإبقاء على الأساس التقليدي القائم على الخطأ في النظام القانوني العراقي، بما يستدعي تدخلًا تشريعيًا أو اجتهادًا قضائيًا يوسّع من نطاق مسؤولية الإدارة، أسوةً بما استقر عليه القضاء الإداري المقارن، ولا سيما الفرنسي والمصري.
وعليه، فإن التحوّل في أساس مسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام في العقود الإدارية لا يُعدّ خروجًا عن مبدأ المشروعية، بل يُمثّل تطبيقًا متطورًا له، يتلاءم مع متطلبات العدالة الإدارية ومبادئ الحوكمة العامة.الخاتمةتناول هذا البحث مسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام في نطاق العقود الإدارية، من خلال تحليل الأساس القانوني الذي تقوم عليه هذه المسؤولية، في ضوء تطور القضاء الإداري واتجاهات الحوكمة العامة. وقد انطلق البحث من الإطار التقليدي القائم على فكرة الخطأ الإداري، لينتهي إلى بيان مظاهر التحول التي يشهدها هذا الأساس، خاصة في الأنظمة القانونية المقارنة.
وقد أظهرت الدراسة أن التطوّر الذي عرفه النشاط الإداري، ولا سيما في مجال التعاقد الإداري، أفرز أوضاعًا قانونية معقدة لم يعد من الملائم إخضاعها كليًا لقواعد المسؤولية القائمة على إثبات الخطأ، لما يترتب على ذلك من تضييق نطاق الحماية القانونية المقررة للمتعاقدين والغير، ومن مساس بمبدأ العدالة الإدارية.
وانتهى البحث إلى أن التحول في أساس مسؤولية الإدارة لا يُعدّ خروجًا على مبدأ المشروعية، بل يمثّل تطبيقًا متطوّرًا له، وينسجم مع وظيفة القضاء الإداري في تحقيق التوازن بين مقتضيات حسن سير المرافق العامة وضمان حماية الحقوق الفردية، بما يتلاءم مع متطلبات الحوكمة العامة الحديثة. ويرتبط هذا الإتجاه الحديث بمفاهيم الحوكمة العامة والمساءلة الدستورية للسلطات الإدارية، كما ناقشه فقه القانون العام المقارن(21-26).
النتائج- تبيّن أن الأساس التقليدي لمسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام، القائم على فكرة الخطأ الوظيفي أو الشخصي، يواجه قصورًا عمليًا واضحًا في مجال العقود الإدارية، نظرًا لتعقيد النشاط التعاقدي وتداخل العوامل الفنية والتنظيمية.
- أظهرت الدراسة أن القضاء الإداري المقارن، ولا سيما في فرنسا، قد أسهم بدور فاعل في تطوير مسؤولية الإدارة من خلال إرساء صور من المسؤولية القائمة على المخاطر أو ضمان الأضرار، بما يحقق حماية أوسع للغير والمتعاقدين مع الإدارة.
- إتّضح أن القضاء الإداري المصري يتبنى موقفًا وسطًا، إذ يميل في بعض أحكامه إلى التوسع في مساءلة الإدارة متى كان الضرر مرتبطًا بسير المرفق العام، دون أن يقطع نهائيًا مع الأساس القائم على الخطأ.
- كشفت الدراسة أن القضاء العراقي ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على قواعد المسؤولية التقصيرية المدنية، مع التركيز على عنصر الخطأ، الأمر الذي يحدّ من فعالية الحماية القانونية في نطاق العقود الإدارية.
- بيّن البحث أن التحول نحو تحميل الإدارة تبعة مخاطر النشاط الإداري في مجال العقود الإدارية يسهم في تحقيق توازن أفضل بين متطلبات المصلحة العامة وحماية المراكز القانونية للأفراد.
التوصيات- يوصي البحث بضرورة تطوير الإجتهاد القضائي العراقي في مجال مسؤولية الإدارة عن أخطاء الموظف العام، من خلال تبني تفسير أكثر مرونة للأساس القانوني للمسؤولية، يراعي خصوصية العقود الإدارية وطبيعة المخاطر المرتبطة بها.
- يدعو البحث إلى عدم الإكتفاء بتطبيق قواعد المسؤولية التقصيرية المدنية في منازعات العقود الإدارية، والعمل على إرساء قواعد خاصة للمسؤولية الإدارية تستلهم التجارب المقارنة، ولا سيما القضاء الإداري الفرنسي.
- يوصي البحث بتعزيز دور القضاء الإداري في حماية الغير والمتعاقدين مع الإدارة، من خلال التوسع في إقرار مسؤولية الإدارة متى كان الضرر نتيجة مباشرة لسير المرفق العام أو لتنفيذ العقد الإداري.
- يؤكد البحث أهمية إدماج مبادئ الحوكمة العامة في تفسير قواعد المسؤولية الإدارية، بما يسهم في تعزيز الشفافية والمساءلة وتحقيق الثقة في النشاط التعاقدي للإدارة.
-
References
قائمة المراجعأولًا: المراجع العربية1. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، 2005.2. الزبيدي، محمد مرتضى الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، مطبعة حكومة الكويت، الكويت، 1998.
3. الذنون، حسن علي، المبسوط في المسؤولية المدنية، مطبعة العزة، بغداد، 2001.
4. أبو السعود، رمضان، الوسيط في شرح مقدمة القانون المدني، المؤسسة الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، 1985.
5. المصري، سعيد محمد، أساسيات دراسة الإدارة العامة، دار المريخ للنشر، الرياض، 1983.
6. عبد الفتاح، محمد سعيد، الإدارة العامة، المكتب العربي الحديث، الإسكندرية، 1986.
7. الساعاتي، أمين، الإدارة العامة في المملكة العربية السعودية، دار الشروق، جدة، 1985.
8. الطماوي، سليمان محمد، الأسس العامة للعقود الإدارية، دار الفكر العربي، القاهرة، 2019، ص 744.
9. الحمداني، سامي حسن، المسؤولية التأديبية للموظف العام، دار الكتب القانونية، بيروت، 2014، ص 191.
10. خليفة، عبد العزيز عبد المنعم، مفهوم الخطأ الجسيم في القانون الإداري، مجلة المحامون السورية، العدد (1)، السنة (44)، دمشق، 2019، ص 47.
11. رزوقي، رفح كريم، المسؤولية التعاقدية للإدارة القائمة على الأخطاء، مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، العدد (3)، السنة (7)، 2015، ص 485.
12. رزوقي، رفح كريم، المسؤولية الإدارية القائمة على المخاطر: دراسة تحليلية، مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، العدد (1)، 2021، ص 143–170.
13. زعزع، محمد علاء، المدلول الجنائي للموظف العام، مجلة العدالة، مركز البحوث القانونية – وزارة العدل العراقية، العدد (4)، السنة (5)، بغداد، 2016، ص 251–262.
14. الفريجي، حيدر، القضاء الإداري العراقي وتحولات المسؤولية الإدارية، مجلة القانون المقارن، العدد (4)، 2022، ص 89–114.
15. عيلان، عثمان سلمان، الأحكام التفصيلية في شرح التعاقدات الحكومية (دراسة مقارنة)، ط 1، مطبعة السيماء، بغداد، 2015، ص 130.
16. حكم المحكمة الإدارية العليا المصرية في الطعن رقم 9647 لسنة 47 ق، جلسة 22/5/2005.ثانيًا: المراجع الأجنبية17. Auby, J.-B., La responsabilité administrative face aux risques de l’action publique, Revue Française de Droit Administratif (RFDA), 2019, pp. 1023–1040.
18. Delvolvé, P., La transformation des fondements de la responsabilité administrative, AJDA – Actualité Juridique Droit Administratif, 2020, pp. 845–852.
19. Béchillon, D. de., Responsabilité sans faute et contrats administratifs, Revue Française de Droit Administratif, 2021, pp. 317–334.
20. Moreau, J., Le juge administratif et la protection des tiers dans les contrats publics, AJDA, 2022, pp. 1567–1575.
21. HASAN, F.A . (2026). National Belonging and Its Relationship with Psychological Security Among University Students. Al-Biruni Journal of Humanities and Social Sciences, 4(01). https://doi.org/10.64440/BIRUNI/BIR0012
22. Craig, P., Administrative Liability and Risk Allocation in Public Contracts, Public Law, 2019, pp. 432–451.
23. Harlow, C., Fault, Risk and Accountability in Modern Administrative Law, Public Law, 2020, pp. 97–115.
24. Boughey, J., Public Authority Liability and the Evolution of Judicial Review, Public Law, 2021, pp. 601–620.
25. McLean, J., Public Governance and Administrative Responsibility, Public Law, 2023, pp. 255–273.
26. Elliott, Mark, The Constitutional Foundations of Administrative Liability, Public Law, 2024, pp. 1–19. -
Article history
Received : Dec 27, 2025
Revised : Dec 28, 2025
Accepted : Jan 24, 2026
-
Authors Affiliations
Assistant Professor, Work Location: University of Kufa / College of Dentistry, Iraq-Alkufa, Email: zainaba.almusawi@uokufa.edu.iq
-
Ethics declarations
Acknowledgment None Author Contribution All authors contributed equally to the main contributor to this paper. All authors read and approved the final paper. Conflicts of Interest “The authors declare no conflict of interest.” Funding “This research received no external funding”
How to cite
Mousa Al-Mousawi, Z. A. W. A. A. A. (2025). The Transformation of the Legal Basis of Administrative Liability for Public Employees’ Errors in Administrative Contracts: A Comparative Study in Light of the Evolution of Administrative Judiciary and Public Governance. Al-Biruni Journal of Humanities and Social Sciences, 4(2). https://doi.org/10.64440/BIRUNI/BIR0013
1
- Article viewed - 25
- PDF downloaded - 351
